الشيخ محمد الصادقي الطهراني
250
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فهذه السابقة السيئة التي رأوها ممن سلف من الخليقة الأرضية هي التي استجاشتهم حتى سألوا ، معترضين على الخليفة الأرضية : أتجعل . . تكرارا لما سلف من إفساد وسفك ، وما هي الحكمة إلّا مزيد الصلاح والعبادة « وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ » وهم لا يسبحون ولا يقدسونك ! فلم يكن يقنعهم « إِنِّي أَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ » لو أنهم خليفة اللّه ، إذ كانوا هم كذلك يعلمون أنه لا يعصى اللّه فلم يكونوا ليسألوا حائرين . ولا - لو أنهم خليفتهم أنفسهم ، إذ هم يعلمون من أنفسهم ما يعلمون من نزاهة وطهارة ، فكيف كانوا إذا يسألون ؟ . فإنما يقنعهم « إِنِّي أَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ » ما ينبههم من غيب هذه الخليفة ، خلاف ظهوره الذي مضى مثله ، من إفساد وسفك ، فلم يقل « إنهم لا يفسدون ولا يسفكون » حيث هما معروفان متداولان في تاريخ الإنسان ، وإنما « إِنِّي أَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ » : من ميّزات هذه الخليفة في البعض من مصاديقها وأفرادها ، من مثل عليا لا تصل أيدي ولا أفهام الملائكة إليها ، وقيها جبر كامل لمن يفسدون فيها ويسفكون الدماء من أفرادها . وكما « عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . . . » ولكي يروا النموذج الأول من هذه الخليفة انه يعلّمهم وهم تلاميذه ، فضلا عن الأسماء التي علّم آدم وهم أشباح من الحقيقة المحمدية وسائر الخمسة ! فلأنهم خفيت عنهم حكمة المشيئة العليا في استخلاف هذه الخليفة ، بما عرفوا ممن سبقها من إفساد وسفك وفتك ، سألوا سؤالهم ، فأجابهم اللّه بما يعلم من خير أكثري مع هذا الشر الجزئي ! هذه الجيوش من البراهين القرآنية نستجيشها لإثبات هذه الملحمة الغيبية التي تتفرد بها آيتنا اليتيمة هذه : « إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » أنها خلافته لمن سبق من أنسال أمثاله ، مع ما تساندها من روايات متظافرات مهما عارضتها أخرى مختلفات ومختلقات ، فالأصل هو كتاب اللّه موردا ومآلا ، جملة وتفصيلا : « وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لانُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ » ( 7 : 170 ) .